جلال الدين السيوطي

649

الإتقان في علوم القرآن

فقيل : لا ينسخ القرآن إلّا بقرآن « 1 » ، لقوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [ البقرة : 106 ] قالوا : ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلّا قرآن . وقيل : بل ينسخ القرآن بالسنّة ، لأنها أيضا من عند اللّه ، قال تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) [ النجم : 3 ] . وجعل منه آية الوصية الآتية . والثالث : إذا كانت السنّة بأمر اللّه من طريق الوحي نسخت ، وإن كانت باجتهاد فلا . حكاه ابن حبيب النيسابوريّ في تفسيره . وقال الشافعيّ : حيث وقع نسخ القرآن بالسنّة ، فمعها قرآن عاضد لها ، وحيث وقع نسخ السنّة بالقرآن فمعه سنّة عاضدة له ؛ ليتبيّن توافق القرآن والسنّة . وقد بسطت فروع هذه المسألة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول . الثالثة : لا يقع النسخ إلّا في الأمر والنّهي ، ولو بلفظ الخبر . أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ، ومنه الوعد والوعيد . وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد « 2 » . الرابعة : النّسخ أقسام « 3 » : أحدها : نسخ المأمور به قبل امتثاله ، وهو النسخ على الحقيقة ، كآية النّجوى . الثاني : ما نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا ، كآية شرع القصاص والدّية ، أو كان أمر به أمرا جمليا كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس بالكعبة ، وصوم عاشوراء برمضان ، وإنما يسمّى هذا نسخا تجوّزا . الثالث : ما أمر به لسبب ، ثم يزول السبب ، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ، ثم نسخ بإيجاب القتال . وهذا في الحقيقة ليس نسخا ، بل هو من قسم المنسأ ،

--> ( 1 ) انظر الإيضاح ص 77 - 81 ، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص 8 - 9 ، والبرهان 2 / 30 - 31 ، ونواسخ القرآن ص 16 ، والناسخ لابن حزم ص 8 ، والنسخ لمصطفى زيد 1 / 20 - 36 ، ومناهل العرفان 2 / 142 - 144 ، ونظرية النسخ ص 109 - 112 . ( 2 ) انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 6 فقد ردّ على هذا القول ، وانظر نواسخ القرآن ص 26 - 28 ، والنسخ لابن حزم ص 28 ، والنسخ لهبة اللّه ص 26 - 28 ، وقبضة البيان ص 8 ، والناسخ لابن البارزي ص 21 . ( 3 ) انظر البرهان 2 / 41 - 43 .